الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

خطوة


آهٍ على ندامة الخُطا بلا خطأ
كخطوة على الطريق
لم و لن تطأ
تريد ضمة تؤلف الخوف الكسير
و عينا لا ترى في النور سرها السرير
و كفا من حرير

و جنسا باردا بلا كحول
أو لعاب
أو عرق
تريد عابرا لليلها
ينقذها من الغرق
بهنّة الألق!

تريد فرصة تقدس السكوت فيها
ثم فرصة أخرى لتلعنه
و صورة قديمة تحبها
و عيرا في الرباط كي يحبها
و شاعرا أصابه العته
ترافق السماء كذبته!

تريد للسماء شرفة من الخشب
و ربا لا يصيبه الغضب
و شارعا بطعم البرتقال
و اهتماما لا يزول بالزوال
و الرحيل و التعب

تريد خاتَما
و خاتَما
و خادما
و نادما بلا خطأ
تريد مرآة الصديق
بل تريد كذبة العشيق
بل تريد خطوة على الطريق لا تطأ!

خلود

من خواء الزحام تمتلئ المفردات
فلا تكتسب وزنا
ولا تعري حزنا
و لا تحمل مع النطق ما يطمئن التعب
و بلا سبب
يتحين الناطق منها: حياة أخرى
على هامش الموت
و انتظار متراخ لمنية بلا أوان
و ترقب متوان
لقصاص منتهاه:ما شاع من شجب
وبلا سبب
يكرر الصدى أسئلة:
ما منعك من إيجاز المسافة؟!
و من رد يديك عن نحرك؟!
ما ألهى عينيك عن ممالأة النور؟!
و بالنيابة عن الحضور
يرد الصدى: قل هو الخلود
حياة ممدودة بطول الوقت
محاصرةعلى حافة الأبد
فلا هي لازمة بداياتها
و لا متعدية على حدوده
منسوبة إليه كانت
و لم يكن اعتماد نسبها سوى ختم
يحمل صورة طائر يرمز للحرية
لكن الطيران -على الورق- هذب جناحيه
فلم يعد حرا و إن طار
حياة تحت الحصار
مشدودة بوصل الماضي الذي حدث
بمستقبل يعتريه العبث
دو أن تعلم
أن الحاضر لن يكون كما تتمناه
دون أن يقبله أحد ما حاضرا لا يتمناه
فيبلغ الخلود منتهاه
قبل البدء
دون أن تسكن فراشة السلام
على صدر الربيع
و دون أن تداعب أصابع السعادة
أوتار عود الحياة
و دون أن تطلق بنادق العمر على البؤساء
وابلا من الموسيقى
و دون أن يبدد ظلامَ الطريق
نورُ الهدى
فوجدتني أول ما وجدت
أبحر مع الريح أينما اتجهت
فلا تتذكرني الخرائط ولا المواني
و لا تلاحظني العواصف ولا الثواني
فلا أجد سببا للرقص
و أكتفي بغناء كل الرقصات
التي ابتلعتها ليالي الربيع
خضوعا لاتجاه الرياح
دون السماح
فرقصة اعتلت أسوار القاهرة
فأسقطت
و رقصة
داهنتها المخاوف
فداهمتها الأنظمة
و رقصة
تساقطت كالندى
على أوراق البنكنوت
فلم يلتقطها فرع ولا جذع
و رقصة هيأتها الظروف
فأفسدتها الخطط
و رقصة أنهكها الشطط
و رقصة أرهقها الخيال
و رقصة ... و رقصة ...
و كل رقصة تردد عن الصدى أسئلة:
ما؟ و من؟ ما؟ و من؟

أحب ولا أحب

أَنَا لَا أُحِبُّ صَوْتَ الطَّعَامِ فِي فَمِي
فَهُوَ يُذَكِّرُنِي بِصَوْتِ الوَقْت
عِنْدَمَا يَأْكُلُنِي
و يَمْضُغُنِي عَلَى مَهْل
و يُنَظِّفُ أَسْنَانَهُ مِنْ بَقَايَاي
غَيْرَ عَابِئٍ بِرَائِحَةِ العَفَنِ المُنْبَعِثَةِ مِنْ قَلْبِي
و لَا بِالطَّعْمِ المُرِّ المُلْتَصِقِ بِجِلْدِي
ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْ كَأْسِ خَيْبَاتِي و يَتَجَشَّأ
و يُذَكِّرُنِي بِأَنَّ المَوْتَ يَأْكُلُ نَفْسَهُ
مِنْ دُوْنِ أَيِّ صَوْتٍ
و يَجْعَلُنِي أَتَوَهَّمُ أَنَّ فَمِي
مُمْتَلِئٌ بِدَمِي ...
لَا أُحِبُّ صَوْتَ السُّكُوْنِ فِي اللَيْلِ
فَهُوَ يُذَكِّرُنِي بِصَوْتِ الصَّفِيْرِ
الَّذِي أَسْمَعُهُ بِدَاخِلِي
عِنْدَمَا تُؤْذِيْنِي أُمِّي بِكَلِمَاتِهَا
و يُذَكِّرُنِي بِأَنِّي أُحِبُّ صَوْتَ الصَّفَعَاتِ
مِنْ يَدِيْ أَوْ عَلَى وَجْهِي ...
لَا أُحِبُّ صَوْتَ النَّفَسِ العَالِ المُتَلَاحِق
يُذَكِّرُنِي بِنَظْرَةِ الحَسْرَة
فِيْ عُيُونِ مُصَارِعِ الثِّيْرَانِ المَهْزُوم
و الَّتِي تُشْبِهُ نَظْرَتِي إِلَى أُخْتِي الصَّغِيْرَة
يُذَكِّرُنِي بِرَائِحَةِ الأُكْسُجِيْنِ فِيْ أَنْفِي
عِنْدَمَا يُحَاوِلُوْنَ إِفَاقَتِي بَعْدَ إِغْمَاءَةٍ قَصِيْرَة ...
لَا أُحِبُّ صَوْتَ المَطَرِ
يُذَكِّرُنِي دَوْمًا بِأَحْذِيَتِي البَالِيَة
و رِدَائِي المَدْرَسِيِّ الخَفِيْفِ
عِنْدَمَا كُنْتُ فِي العَاشِرَة
يُذَكِّرُنِي بِخَوْفِي مِنْ لَمَسَاتِ أَيْدِيْ أَصْدِقَائِي القُدَامَى
و خَوْفِي مِن عَلَاقَاتِي الجَدِيْدَةِ سَرِيْعَةِ الانْتِهَاء ...
لَا أُحِبُّ صَوْتَ أَبِي الحَزِيْن
يُذَكِّرُنِي بِالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي رَأْسِي
و يَجْعَلُنِي أَبْتَسِمُ عِنْدَمَا أَتَخَيَّلُ يَوْمَ مَوْتِه ...
لَا أُحِبُّ صَوْتِي أَنَا
يُذَكِّرُنِي بِالصَّوْتِ المُتَكَرِّرِ الأَخِيْرِ
عِنْدَ حُدُوْثِ الصَّدَى
و يَجْعَلُنِي أَغْضَبُ مِنْه
لأَنَّهُ يُخْطِئُ فِي المَوَاعِيْدِ
و يُخْطِئُ فِي إِيْصَالِ الرَّسَائِل ... 
و لَكِنِّي أَلْتَمِسُ لَهُ العُذْرَ أَحْيَانًا !!!
فَأُحِبُّ صَوْتَ الطَّعَامِ فِي فَمِي
لِأَنَّهُ يُذَكِّرُنِي
بِأَنِّي نَجَوْتُ مِنَ المَوْتِ جُوْعًا
و أَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بَعْدُ
أَوَانُ ازْدِرَادِ الَّذِي احْتَلَّ جَوْفِي
و أَنِّي أَبَيْتُ خُضُوْعًا ...
و أُحِبُّ صَوْتَ السُّكُوْنِ فِي اللَيْلِ
يُذَكِّرُنِي بِانْقِضَاءِ نَهَارٍ إِضَافِيٍّ
و أَنْ الشَّقَاءَ سَيَفْقِدُ يَوْمًا مِنْ مُهْلَتِه
يُذَكِّرُنِي بِبِدَايَةِ كُلِّ اقْتِرَاب
و عَوْدَةِ مَنْفِيِّ تِلْكَ البِلَادِ الَّتِي فِي خَيَالِي
مِنَ الاغْتِرَاب ...
و أُحِبُّ صَوْتَ النَّفَسِ العَالِ المُتَلَاحِق
يُذَكِّرُنِي بِالرَّكْضِ الحَثِيْثِ
خَلْفَ الشَّيْطَان
أَوْ هَرَبًا مِنْه!
يُذَكِّرُنِي بِاللَحَظَاتِ الَّتِي تَسْبِقُ النَّشْوَةَ
و تَلِي الانْتِصَار ...
و أُحِبُّ صَوْتَ المَطَر
يُذَكِّرُنِي بِأَنَّ السَّحَابَ لَا يُفَرِّقُ أَبَدًا
بَيْنَ مَنْ خَافَ بَطْشَ السَّمَاء
و مَنْ لَوَّثَتْهُ الدِّمَاء
و أَنَّ الّذِي يَهْبِطُ الآنَ فِي البَرْدِ
كَانَ فِي القَيْظِ بِالأَمْسِ يَصْعَد ...
و أُحِبُّ صَوْتَ أَبِيْ الحَزِيْن
يُذَكِّرُنِي أَنَّهُ فَشِلَ أَخِيْرًا فِي الوُصُوْلِ
إِلَى مَا سَأَفْشَلُ أَنَا أَيْضًا
فِيْ الوُصُوْلِ إِلَيْهِ .. لَاحِقًا!
يُشْعِرُنِي هَذَا بِتَوَلِّي زِمَامِ الأَسْبَقِيَّة ...
و أُحِبُّ صَوْتِي أَنَا
يُذَكِّرُنِي بِالصَّوْتِ الأَوَّل
خَالِقُ الصَّدَى عَلَى شَاكِلَتِه
مَا تُرَدِّدُهُ الجِبَالُ
بِلَا حَوْلٍ مِنْهَا و لَا قَوْل!!

with: Mayada Elshahawy

نور الناس!!

بلا وطنٍ
يُبكى في القصائد أو يُمجَّد،
أو يتجدد،
و لا سماء
تمطرني كل شتاءٍ
كما تبكي الموتى كل موت،
و لا صوت،
و لا شجرة
تمنحني خلودًا مع المعرفة؛
أزفت الآزفة!
و نادى طريقي خطاي
فسِرت
أشعل فلسفةً إثر أخرى
و أطفئ غانيةً تلو أخرى
بلا ملل أو أمل
يشحذ السؤال سيفي
و يكسر الزجاج طيفي
و يتبع الشتاء صيفي
و يوما
غالبتني عينان فغلبتاني
و منهكا
سطرت لهما:
من رحم الهزيمة تولد الكلمات
و بطول المسافة يعبد الطريق
ذهابا إيابا كانت الخطا
و آنية كانت الحدود و الرؤى
و فوق كل كذبة بُنيت كذبة
و على كل نبوة جُعلت نبوة
و من كل تفصيلة نبتت تفاصيل
و غاب الدليل
و منهكا
أصبحت سيني الملامح
منتهكا بصلاة شفهية
لشفاه شهية
موغلا في صحراء الحياد
بلا جواد
أما البلاد
فكانت -أينما مر الطريق-
أشجار ظل الصباح
و تفاح المساء
أما السماء
فكانت -بلا نور-
سريرا مظلما و لو أضاء
و فيما بعد البدء
لم تكن كلمة
ولم يكن شيء
فخاب من شهد
و انحنى نشاط الروح
لضعف الجسد
و صُلِبَ الولد
و من ثم دلجت
نازلا معي في الجب
مانحا لوجه الحب
فراشة صغيرة
أودعتها خاتمي و عصابتي
و عصاي التي في يدي
و بعد عشر دقائق
حانقا صعدت
مستردا ما منحت
كافرا بالتراتيل
مؤمنا بالسبيل
باحثا عن البدء
حيث كانت الحياة
نور الناس!

انتظار

أنتظرني
بين عصا الأمس
و جزرة الغد
أمتطي ظهر الحاضر
واقفا .. كلما بدا لي سؤال:
ما الحقيقة؟! ما الخيال؟!
من أين نأتي و إلى أين المآل؟!
لماذا تنشد الفرس المبرقعة المحال؟!
إلى أن تكف الأسئلة
تحت تأثير الرتابة ثم حد المقصلة
لكن كأس الانتظار لا تكف
فأنتظرني حد الثمالة
حتى أنني لا قد لا أعرفني إن أتيت
أنتظرني
-ولا أملك من زاد الانتظار سوى الأمل-
حيث كان اللقاء دوما
ودودا و جامحا في آن
و كانت الرياحين تزكي حقول البصل
و العصافير تترنم بأغنية سرمدية
و الأرض ميداء نَديّة
عارية تماما من الخوف و الكتمان
أزرعها بيدي أنا ابن الإنسان
و أبني بها كعبة .. بل مكتبة
و أنتشي في كهفها كما يجب
و أقبل منها التراب و الهضاب
و الأماني الشاهقة
فينشرح صدرها و تجود بذات شفتيها
أنتظرني
كما كنت أنتظر الشروق
ما تنسلخ فيه براءة النهار من ذنب الليل
فأكلل سنين الانتظار بأطواق النَيل
و أتذوق عرق القمحية
لكن الليل لا يظلم
و النهار لا يضيء
و أنا لا آتي أبدا

ساعة

من الممكن
أن يصبحا صديقين
أن يذهبا معا بعد الدوام المدرسي
و في العطلات الصيفية
إلى حقول القمح المجاورة
حيث يكونان أخف من أن يخربا السنابل
أو يدنسا الأحلام
و أثقل من أن يطيرا مع الفراشات
فلا يعبأ بهما الدارسون النائمون
ولا يحفلان باقتصاد العالم
الذي يتضخم أمامهم
أن يلعبا أدوارهما الرئيسية
خلف الكواليس
فيقطف لها زهرة
كما يفعل أبطال السينما
و تحضر له شطيرة
كما تفعل الأمهات
و أن يركضا أسرع من ساعة تأكل الوقت
عائدين نحو حيهما الصغير
..ليصلا بعد عقدين
فيعد لها فنجال قهوة
برائحة الذكريات
و طعم العمر
و يشارك كل منهم بملعقة سكر
و يتذوقان حلوها
كل من شفاه الآخر
و يطيران مثل الفراشات
التي لم يطيرا معها منذ عقدين
فوق حقول القمح
هربا من الساعة
و الشرطة الأهلية
و قوانين الأحوال الشخصية
نحو دكان قديم
..يبعد عن الحي مسافة نصف قرن
فيشتري لها منه عكازا
و ساعة تعبت من الركض فتوقفت
و تشتري له طاقم أسنان
و لسانا ناعما غير لسانه
و يشتريان للسوى ألبوم صور فارغ
ينصب في صفحاته -بعد عمر- سرادق عزاء
يغيب عنه بعض الأصدقاء
لانشغالهم بالركض مع الساعة